أفلا يتدبرون القرآن

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها

بلعام الَّذي كَفَر

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176} سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ

بلعام الَّذي كَفَر

هذه قصة من القصص القرآنى ..

لكنها قصة من اعجب العجب ..

انها قصة انسان آتاه الله (تعالى) آياته ..

انسان فضله الله (تعالى) بعمله ، واسبغ عليه نعمة الإيمان والهداية والتوفيق ..

انسان اعطاه الله (تعالى) الفرصة كاملة الإيمان والهدى ، والارتفاع عن الانحطاط فى الكفر والانغماس فى الضلال ..

انسان رفعه الله (تعالى) الى قمة القمم وذروة الذرى فى الايمان والتقى ..

انسان كان قدوة و مثلا اعلى لغيرة .. 

وبكل غباء يترك ذلك الانسان كل هذه النعم وتلك الفرص ، ويعرض عنها .. يضرب بها عرض الحائط فى جهل ..

وبكل جهل ينسلخ ذلك الاحمق من آيات الله ، ويخلع نفسه من الايمان ؛ ليهوى فى الكفر والالحاد ..

قصة انسان شقى هوى من افق النجوم المضيئة ؛ ليسقط على الارض ، ويغوص فى الطين والوحل ..

هذه قصة بائس منكود باع الاخرة بالدنيا. باعها بثمن بخس حقير ، فعرض نفسه لغضب الجبار ، وصار من اهل النار ..



فمن هو ذلك اليائس المغضوب عليه ، الكافر المستحق لعناته فى كل زمان ومكان ..

إنه عبرة ومثل يضرب لكل من انحطت نفسه ، وخارت عزيمته ، ولم يقدر نعمة الهداية والايمان حق قدرها ، فهوى الى اسفل سافلين فى الدنيا ، وهوى جحيم الآخرة ..

انه (بلعام) .. (بلعام بن باعوراء) ..

قالوا أن بلعام بن باعوراء كان حبرا من احبار بنى اسرائيل فى زمن النبى ((موسى)) عليه السلام ..

وإنه قد تلقى العلم .. علم التوراة على يدى نبى الله (موسى)عليه السلام ، وإن (موسى) عليه السلام هو الذى رباه وعلمه ، حتى صار من اعلم علماء بنى اسرائيل ..

وقد بلغ ((بلعام)) من العلم درجة لم يبلغها إلا الانبياء والصديقون ..

ومن غزارة علمه ومعرفته وتقواه ، كان الالاف يتلقون عنه العلم فى مجلس واحد ، وبكتبون كل ما يسمعونه منه ..

وقالوا انه كان فى مجلسه اثنتا عشرة الف محبرة للمتعلمين الذين يتلقون ويكتبون عنه ..

وقالوا إنه بلغ درجة من الهدى والتقى والنور والايمان وانه كان اذا نظر رأى عرش الرحمن من فوق سبع سموات ، وهو قابع فى مكانه على الارض ..

وقد قال الله تعالى عنه فى قرآنه الكريم : {واتل عليهم نبأ الذى اتيناه اياتنا }

فقد اتاه الله (تعالى) ايات كثيرا ، وليست ايه واحده وهذا من نعم الله (تعالى) الكثيرة عليه ..

ومن آيات الله (تعالى) على ((بلعام)) انه كان طاهرا مجاب الدعوة .. وكان يعرف اسم الله (تعالى) الاعظم ، الذى اذا دعى به اجاب ، واذا سئل اعطى ..

ثم ضل ((بلعام)) بعد هدى .. وكفر بعد ايمان ..

اضله الله (تعالى) بعد علم ، واعمى بصيرته بعد نور ، فكان ((بلعام )) اول انسان على وجه الارض يؤلف كتابا ينطق بالكفر من اول سطر الى آخر حرف .. كتابا يزعم فيه ان الكون ليس له اله ، وان العالم ليس له صانع ..

نعوذ بالله من كلمة الكفر واقوال الكافرين ..

ولكن كيف كانت قصة كفر ((بلعام)) والحاده ؟!



قيل ان نبى الله (موسى) عليه السلام قد ارسل ((بلعام)) الى اهل ((مدين)) ليدعوهم الى الايمان ، وتوحيد الواحد الاحد ..

فلما ذهب اليهم ((بلعام)) برسالة (موسى) عليه السلام ، اغروه بالمال والهدايا الكثيرة وعرض الحياة الدنيا الزائل ، وقالوا له :

اترك دعوة (موسى) ولا ترجع اليه ، ونحن نقدم لك كل هذه الهدايا والاموال ؛ فتعيش بيننا غنيا كواحد منا ، بل رئيسا علينا ..

وعرض عليه ملك مدين الكافر ان يزوجه بأجمل النساء من بنات قومه ، ويقدم له الكثير من الهدايا والاموال ، فى مقابل أن يترك دين الحق ويهجر دعوة موسى ، ويتخلى عن دينه ؛ لينضم اليهم فى كفرهم ضلالهم ..

كان هذا اول اختبار حقيقى يتعرض له (بلعام) واول فتنة وابتلاء له .. وهى فتنة وابتلاء عظيمان .. وهل هناك ابتلاء اعظم من ابتلاء الرجل فى دينه ؟! وماذا كان رده عليهم ، وهو المؤمن قوى الايمان ، والحبر العلامة ، كما رأينا ؟!

لما عرض أهل ((مدين)) وملكها ما عرضوه على ((بلعام)) قال لهم ..

اعطونى مهله حتى افكر واقدر وادبر امرى ، ثم أرد عليكم ، فإما رحعت الى (موسى) واما قبلت عرضكم وعشت بينكم .

وتركهم (بلعام) ثم ركب حمارته ، وسار بها ؛ ليختلى بنفسه ويفكر فى امره ، وفيما عرضه عليه القوم .. ولما اختلى بنفسه راح يحدثها قائلا :

الله أم الشيطان ؟!

(موسى) ام المال ؟!

الآخرة ام الدنيا ؟!

وهكذا راح ((بلعام)) يفكر ويقدر ويدبر .. ولم يستغرق منه الامر طويلا ..

فقد أرشده هواه الخسيس ونفسه الدنية إلى اختيار الشيطان ، وتفضيل المال على الدين ، والدنيا الفانية على الآخرة الباقية .. لقد فضل الرياسة والشرف الزائل ، وحب المال على دينه ، فقال فى جشع :

بل الشيطان والمال والدنيا ..

فلما كفر (بلعام) وقال ذلك ، قاد حمارته عائدا الى القوم ،

تراءى له الشيطان على مكان مرتفع عند قنطرة ، سعيدا بما فعل .. فلما رأت الحمارة الشيطان نفرت منه ، وسجدت لله (تعالى) ، بينما سجد الكافر (بلعام) لشيطانه اللعين ..

وهكذا كفر (بلعام) بعد ايمان ..

وضل بعد علم .. آثر الهوى على الهدى ..

غاص فى الطين والوحل وضل بعد أن حلق بأحنجة من النور مع الملائكة ، ورأى الملكوت الاعلى بنور بصيرته ، وهو قابع فى محرابه على الارض .. سقط (بلعام) وهوى بعد أن ضل وغوى ..

اتخذ (بلعام) هواه الها يعبده من دون الله ‘ بعد أن اختار الدنيا واطاع الشيطان ..

وبكفره صار (بلعام) من الهالكين الحائرين ، الذين عملوا بخلاف علمهم الذى علموه ..

وبعمله الخسيس الوضيع هذا صار (بلعام) أضل من الشيطان ..


0 comments: