أفلا يتدبرون القرآن

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ


هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشتمل وجوه الراحة من أي جهة كانت وقد روى عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها هى السعادة وقال الحسن ومجاهد وقتادة لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة وقال الضحاك هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا وقال الضحاك أيضا هى العمل بالطاعة والانشراح بها والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن عبدالرحمن الحبلي عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" ورواه مسلم من حديث عبدالله بن يزيد المقري به وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن ابن علي الجهني عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قد أفلح من هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به" وقال الترمذي هذا حديث صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا" انفرد بإخراجه مسلم.
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ

قال:ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ?)

وبرزت كلمة "الرحمة " في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق ; وبرزت معها الحقيقة الكلية:أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . الضالون عن طريق اللهالذين لا يستروحون روحه , ولا يحسون رحمته , ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته . فأما القلب الندي بالإيمان , المتصل بالرحمن , فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد , ومهما ادلهمت حوله الخطوب , ومهما غام الجو وتلبد , وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر . . فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنينالمهتدين . وقدرة الله تنشيء الأسباب كما تنشيء النتائج , وتغير الواقع كما تغير الموعود

ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ



وتهديد آخر ملفوف:

(ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون). .

ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع . لا تأمل فيها ولا تدبر ولا استطلاع . ذرهم في تلك الدوامة:الأمل يلهي والمطامع تغر , والعمر يمضي والفرصة تضيع . ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين , الذين ضلوا في متاهة الأمل الغرور , يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع , ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود , وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد , ولا يمنعهم منه مانع . وأن ليس وراءهم حسيب ; وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطعمون !

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية . فالأمل البراق ما يزال يخايل لهذا الإنسان , وهو يجري وراءه , وينشغل به , ويستغرق فيه , حتى يجاوز المنطقة المأمونة ; وحتى يغفل عن الله , وعن القدر , وعن الأجل ; وحتى ينسى أن هنالك واجبا , وأن هنالك محظورا ; بل حتى لينسى أن هنالك إلها , وأن هنالك موتا , وأن هناك نشورا .

وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول [ ص ] أن يدعهم له . . (فسوف يعلمون). . حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان . . وهو أمر فيه تهديد لهم , وفيه كذلك لمسة عنيفةلعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم .

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ


لقد قضي الأمر , وانتهى الجدل , وسكت الحوار . . وهنا نرى على المسرح عجبا ونرى الشيطان . . هاتف الغواية , وحادي الغواة . . نراه الساعة يلبس مسوح الكهان , أومسوح الشيطان ! ويتشيطن على الضعفاء والمستكبرين سواء , بكلام ربما كان أقسى عليهم من العذاب:

(وقال الشيطان - لما قضي الأمر - إن الله وعدكم وعد الحق , ووعدتكم فأخلفتكم . وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكمما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم .)

الله ! الله ! أما إن الشيطان حقا لشيطان ! وإن شخصيته لتبدو هنا على أتمها كما بدت شخصية الضعفاء وشخصية المستكبرين في هذا الحوار . .

إنه الشيطان الذي وسوس في الصدور , وأغرى بالعصيان , وزين الكفر , وصدهم عن استماع الدعوة . . هو هو الذي يقول لهم وهو يطعنهم طعنة أليمة نافذة , حيث لا يملكونأن يردوها عليه - وقد قضي الأمر - هو الذي يقول الآن , وبعد فوات الأوان:

(إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم !(

ثم يخزهم وخزة أخرى بتعييرهم بالاستجابة له , وليس له عليهم من سلطان , سوى أنهم تخلوا عن شخصياتهم , ونسوا ما بينهم وبين الشيطان من عداء قديم , فاستجابوا لدعوته الباطلة وتركوا دعوة الحق من الله:

(وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ! )

ثم يؤنبهم , ويدعوهم لتأنيب أنفسهم . يؤنبهم على أن أطاعوه !:

(فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)!

ثم يخلي بهم , وينفض يده منهم , وهو الذي وعدهم من قبل ومناهم , ووسوس لهم أن لا غالب لهم ; فأما الساعة فما هو بملبيهم إذا صرخوا , كما أنهم لن ينجدوه إذا صرخ:

(ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي). .

وما بيننا من صلة ولا ولاء !

ثم يبرأ من إشراكهم به ويكفر بهذا الإشراك:

(إني كفرت بما أشركتمون من قبل)!

ثم ينهي خطبته الشيطانية بالقاصمة يصبها على أوليائه:

(إن الظالمين لهم عذاب أليم)!

فيا للشيطان ! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه , ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه !

سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ


يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه وإنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء كقوله " وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى " وقال " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " وقالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات والله لقد جاءت المجادلة تشتكى زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جنب البيت وإنه ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " وقوله " ومن هو مستخف بالليل " أي مختف في قعر بيته في ظلام الليل " وسارب بالنهار " أي ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه فإن كلاهما في علم الله على السواء كقوله تعالى " ألا حين يستغشون ثيابهم " الآية وقوله تعالى " وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إتفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين 
إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة(الفوائد: 152.)

قال ابن رجب: "إن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمله ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره فتوجب له حسن الخاتمة"


وليس في الأمر ظلم لأحد – حاشا لله – وإنما المسألة مسألة قلوب اطلع عليها علاَّم الغيوب، فرأى فيها ما يستوجب حسن الخاتمة أو سوءها، وقد يكون ظاهر العبد الإيمان وقلبه قد غلفه الكفر الصراح، وقد كان المنافقون يصلون ويصومون ويحجون ويجاهدون مع النبي صلى الله عليه ولسم والله يشهد إنهم لكاذبون.
وقد يكون ظاهر الإنسان التقوى والخشوع والورع، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها وركبها. 
وربما كان الإنسان يظهر التخشع والتواضع في ظاهره ولكن قلبه يقطر كِبْرًا وحبا للعلو على الخلق.

وأما أن يكون الإنسان صادقا مخلصا عاملا لله في سره وجهره ثم يختم له بسوء فهذا مما لا يكون أبدا ولا يتوافق مع عدل الله وحكمته.. ولذلك قال ابن القيم – رحمه الله – مطمئنًا أهل الإيمان ما معناه: "حاشا لعدل الله وحكمته أن يختم بالسوء لمن كان صادقًا ظاهرًا وباطنًا واستقام على ذلك".

قال أبو محمد عبد الحق: "اعلم أن سوء الخاتمة – أعاذنا الله منها – لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به – والحمد لله – وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل والعقيدة، أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله.
أو يكون ممن كان مستقيمًا ثم يتغير عن حاله ويخرج عن سننه ويأخذ في طريقه فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته وشؤم عاقبته؛ كإبليس الذي عبد الله فيما يروى 80 ألف سنة، وبلعام بن باعوراء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها بخلوده إلى الأرض واتباع هواه، وبرصيصًا العابد الذي قال الله في حقه: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الحشر: 16].

قال ابن رجب: "إن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمله ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره فتوجب له حسن الخاتمة".

وقد قيل: دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة.

اللهم اختم لنا بالصالحات وارزقنا الصدق في جميع الأحوال والأعمال.. يا أكرم الأكرمين.

مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ

من كان يطلب عزة في الدنيا أو الآخرة فليطلبها من الله, ولا تُنال إلا بطاعته, فلله العزة جميعًا, فمن اعتز بالمخلوق أذلَّه الله, ومن اعتز بالخالق أعزه الله, إليه سبحانه يصعد ذكره والعمل الصالح يرفعه. والذين يكتسبون السيئات لهم عذاب شديد, ومكر أولئك يَهْلك ويَفْسُد, ولا يفيدهم شيئًا
 اجلس حتى أخبرك بغنى الرب تبارك وتعالى عن صلاة أبي جحش إن لله تعالى في سماء الدنيا ملائكة خشوعا لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم ثم قالوا‏:‏ ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله تعالى في السماء الثانية ملائكة سجودا لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا‏:‏ ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثالثة ملائكة ركوعا لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا‏:‏ ربنا ما عبدناك حق عبادتك قال عمر‏:‏ وما يقولون يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أما أهل السماء الدنيا فيقولون‏:‏ سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون‏:‏ سبحان ذي العزة والجبروت وأما أهل السماء الثالثة فيقولون‏:‏ سبحان الحي الذي لا يموت‏.‏