أفلا يتدبرون القرآن

أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

يذكر تعالى عن أيوب " ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد كثيرة ومنازل مرضية فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره ثم ابتلي في جسده يقال بالجذام في سائر بدنه ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عز وجل حتى عافه الجليس وأفرد في ناحية من البلد ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل " وفي الحديث الآخر " يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه " وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر وبه يضرب المثل في ذلك.

وقال يزيد بن ميسرة لما ابتلى الله أيوب عليه السلام بذهاب الأهل والمال والولد ولم يبق شيء له أحسن الذكر ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إلي أعطيتني المال والولد فلم يبق من قلبي شعبة آلا قد دخله ذلك فأخذت ذلك كله مني وفرغت قلبي فليس يحول بيني وبينك شيء لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني.

قال فلقي إبليس من ذلك منكرا قال وقال أيوب عليه السلام يا رب إنك أعطيتني المال والولد فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته وأنت تعلم ذلك وإنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي: يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفراش ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك.

رواه ابن أبي حاتم وقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين وفيها غرابة تركناها لحال لطول وقد روى أنه مكث في البلاء مدة طويلة ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء فقال الحسن وقتادة ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء.

وقال وهب بن منبه مكث في البلاء ثلاث سنين لا يزيد ولا ينقص وقال السدي:" تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالرماد يكون فيه فقالت له امرأته لما طال وجعه يا أيوب لو دعوت ربك يفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة فجزعت من ذلك فخرجت فكانت تعمل للناس بالأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه وإن إبليس انطلق إلى رجلين من أهل فلسطين كانا صديقين له وأخوين فأتاهما فقال أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا فاتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما فإنه إن شرب منه برئ فأتياه فلما نظرا إليه بكيا فقال من أنتما فقالا نحن فلان وفلان فرحب بهما وقال مرحبا بمن لا يجفوني عند البلاء فقالا يا أيوب لعلك كنت تسر شيئا وتظهر غيره فلذلك ابتلاك الله فرفع رأسه إلى السماء فقال: هو يعلم ما أسررت شيئا أظهرت غيره ولكن ربي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع فقالا له يا أيوب اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه برأت قال فغضب وقال جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام فقاما من عنده وخرجت امرأته تعمل للناس فخبزت لأهل بيت لهم صبي فجعلت لهم قرصا وكان ابنهم نائما فكرهوا أن يوقظوه فوهبوه لها فأتت به إلى أيوب فأنكره وقال ما كنت تأتيني بهذا فما بالك اليوم فأخبرته الخبر قال فلعل الصبي قد استيقظ فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله فانطلقي به إليه فأقبلت حتى بلغت درجة القوم فنطحتها شاة لهم فقالت تعس أيوب الخطاء فلما صعدت وجدت الصبي فد استيقظ وهو يطلب القرص ويبكي على أهله لا يقبل منهم شيئا غيره فقالت: رحمه الله يعني أيوب فدفعت إليه القرص ورجعت ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب فقال لها إن زوجك قد طال سقمه فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك فقالت ذلك لأيوب فقال قد أتاك الخبيث.

لله علي إن برأت أن أجلدك مائة جلدة فخرجت تسعى عليه فحظر عنها الرزق فجعلت لا تأتى أهل بيت فيريدونها فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرنا فباعته من صبية من بنات الأشراف فأعطوها طعاما طيبا كثيرا فأتت به أيوب فلما رآه أنكره وقال من أين لك هذا قالت عملت لأناس فأطعموني فأكل منه فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضا قرنا فباعته من تلك الجارية فأعطوها أيضا من ذلك الطعام فأتت به أيوب فقال والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو فوضعت خمارها فلما رأى رأسها محلوقا جزع جزعا شديدا فعند ذلك دعا الله عز وجل فقال " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له مبسوط قال وكانت امرأة أيوب تقول ادع الله فيشفيك فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه فعند ذلك قال " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " وحدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب عليه السلام أخوان فجاءوا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد فقال أحدهما للآخر لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال: اللهم بعزتك ثم خر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعا ينحو هذا فقال أخبرنا يونس بن عيد الأعلى أخبرنا ابن وهب اخبر نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه فقال ويروحان فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه وما ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب عليه السلام ما أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبل فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " رفع هذا الحديث غريب جدا.

وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب فجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب فجعلت تكلمه ساعة.

فقال ويحك أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي وبه قال ابن عباس ورد عليه ماله وولده عيانا ومثلهم معهم وقال وهب بن منبه أوحى الله إلى أيوب قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معه فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم.

وقال أيضا حدثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع؟ قال يا رب ومن يشبع من رحمتك؟ " أصله في الصحيحين وسيأتي في موضع آخر.
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ


قال الله " يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم " قال لم يبق نار في الأرض إلا طفئت وقال كعب الأحبار لم ينتفع أحد يومئذ بنار ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه وقال الثوري عن الأعمش عن شيخ عن علي بن أبي طالب " قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " قال لا تضر به وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله عز وجل قال " وسلاما " لآذى إبراهيم بردها وقال جويبر عن الضحاك " كوني بردا وسلاما على إبراهيم " قالوا صنعوا له حظيرة من حطب جزل وأشعلوا فيه النار من كل جانب فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله قال ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق فلم يصبه منها شيء غير ذلك وقال السدي كان معه فيها ملك الظل.

وقال علي بن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا يوسف بن موسى حدثنا مهران حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار قال فكان فيها إما خمسين وإما أربعين قال ما كنت أياما وليالي قط أطيب عيشا إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها وقال أبو زرعة ابن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرش جبينه قال عند ذلك نعم الرب ربك يا إبراهيم وقال قتادة لم يأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ وقال الزهري أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" بقتله وسماه فويسقا.

وقال ابن أبي حاتم حدثنا عبيد الله بن أخي ابن وهب حدثني عمي حدثنا جرير بن حازم أن نافعا حدثه قال حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت نقتل به هذه الأوزاغ إن رسول الله" صلى الله عليه وسلم" قال "إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم" فأمرنا رسول الله" صلى الله عليه وسلم" بقتله.

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ

لما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل كما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا إن الناس فد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وروى الحافظ أبو يعلى حدثنا ابن هشام حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله" صلى الله عليه وسلم": " لما ألقى إبراهيم عليه السلام في النار قال الله إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك " ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك وقال شعيب الجبائي كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة فالله أعلم وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا وأما من الله فبلى وقال سعيد بن جبير ويروى عن ابن عباس أيضا قال لما ألقي إبراهيم جعل خازن المطر يقول متى أومر بالمطر فأرسله قال فكان أمر الله أسرع من أمره.
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرً

قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا بشر بن المنذر حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي عن عياش بن عباس الغساني عن أبي حجيرة عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل لا إله إلا الله محمد رسول الله.


وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء وكان نساجًا وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم وإن صح لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالا لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم وهو حكم ومواعظ والله أعلم وقوله " وكان أبوهما صالحا " فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة.



وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا

وهو يشوع بن نون هذا الكلام أنه ذكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى
حدثنا صدقة بن عمر الغساني حدثنا عباد المنقري سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير واسم هدهد سليمان عليه السلام عنفز واسم كلب أصحاب الكهف قطمير واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه بهموت.

وهبط آدم عليه السلام بالهند وحواء بجدة وإبليس بدست بيسان والحية بأصفهان وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها بل هي مما ينهى عنه فإن مستندها رجم بالغيب وقوله تعالى " لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا " أي أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فهم لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.
وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا


قوله " وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض " يقول تعالى وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم و أنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده وجاء الآخر فجلس إليهما وجاء الآخر فجلس إليهم وجاء الآخر وجاء الأخر ولا يعرف واحد منهم الآخر وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف "وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يقولون الجنسية علة الضم: والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ماهو عليه عن أصحابه خوفًا منهم ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله ياقوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء فليظهر كل واحد منكم بأمره فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولايشرك به شيئًا هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك وقال الآخر كذلك حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل ولهذا أخبر تعالى عنهم:بقوله " وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعو من دونه إلها " ولن لنفي التأبيد أي لا يقع منا هذا أبدًا لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاولهذا قال عنهم " لقد قلنا إذا شططا" أي باطلاً وكذبًا وبهتانً
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا


في الحديث "من تواضع لله رفعه الله فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير ومن استكبر وضعه الله في نفسه كبير وعند الناس حقير حتى لهو أبغض إليهم من الكلب والخنزير"
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ

وقوله "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهذه معية خاصة كقوله "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا" وقوله لموسى وهارون "لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى" وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار "لا تحزن إن الله معنا" وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم كقوله تعالى "وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير" وكقوله تعالى "ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا" وكما قال تعالى "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا" الآية; ومعنى "الذين اتقوا" أي تركوا المحرمات "الذين هم محسنون" أي فعلوا الطاعات فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا محمد بن بشار ثنا أبو أحمد الزبير ثنا مسعر عن ابن عون عن محمد بن حاطب قال كان عثمان رضي الله عنه من الذين آمنوا والذين اتقوا والذين هم محسنون.
.

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ

أن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم وإحسانه إليهم" ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" أي لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به كقوله تعالى "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا".
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

قال العوفي عن ابن عباس في قوله "قد مكر الذين من قبلهم" قال هو النمروذ الذي بني الصرح قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد نحوه وقال عبدالرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أول جبار كان في الأرض النمروذ فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه ثم أماته وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى "فأتى الله بنيانهم من القواعد" وقال آخرون بل هو بختنصر وذكروا من المكر الذي حكاه الله ههنا كما قال في سورة إبراهيم "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" وقال آخرون هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره كما قال نوح عليه السلام "ومكروا مكرا كبارا" أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة "بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" الآية وقوله "فأتى الله بنيانهم من القواعد" أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم كقوله تعالى "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله" وقوله "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار" وقال الله ههنا "فأتي الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم".
اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير
قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ

يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إلى ذلك كقوله تعالى " زلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله " الآية وفي قوله " كذبوا " قراءتان إحداهما بالتشديد قد كذبوا وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرئها قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد بن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى " حتى إذا استيأس الرسل " قال: قلت أكذبوا أم كذبوا ؟ قالت عائشة كذبوا قلت فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت لها " وظنوا أنهم قد كذبوا " قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت فما هذه الآية ؟ قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر " حتى إذا استيأس الرسل " ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعبة عن الزهري قال أخبرنا عروة فقلت لها لعلها قد كذبوا مخففة؟ قالت معاذ الله انتهى ما ذكره وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكه أن ابن عباس قرأها " وظنوا أنهم قد كذبوا " خفيفة قال عبد الله هو ابن أبي مليكة ثم قال لي ابن عباس كانوا بشرا ثم تلا " حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " قال ابن جريج وقال ابن أبي مليكة وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت ما وعد الله محمدا صلي الله عليه وسلم من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم قال ابن أبي مليكة في حديث عروة كانت عائشة تقرئها " وظنوا أنهم قد كذبوا " مثقلة من التكذيب وقال ابن أبي حاتم أن يونس بن عبد الأعلى قراءة أنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال إن محمد بن كعب القرظي قرأ هذه الآية " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " فقال القاسم أخبره عني أنى سمعت عائسة زوح النبي صلي الله عليه وسلم تقوله " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " تقول كذبتهم أتباعهم إسناد صحيح أيضا والقراءة الثانية بالخفيف; واختلفوا في تفسيرها فقال ابن عباس ما تقدم وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قرأ " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " مخففة قال عبد الله هو الذي تكره وهذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما مخالف لما رواه آخرون عنهما أما ابن عباس فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " قال لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك " فنجي من نشاء " وكذا روى عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله وقال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا شعيب حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير قال أخبرنا أبا عبد الله كف هذا الحرف فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا " قال نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فقال الضحاك بن مزاحم ما رأيت كاليوم قط رجل يدعى إلى علم فيتلكأ لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلا ثم روى ابن جرير أيضا من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال فرج الله عنك كما فرجت عني وهكذا روى من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك وكذا فسرها مجاهد بن جرير وغير واحد من السلف حتى أن مجاهدا قرأها " وظنوا أنهم قد كذبوا " بفتح الذال رواه ابن جرير إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير فى قوله " وظنوا أنهم قد كذبوا " إلى أتباع الرسل من المؤمنين ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم أي وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما وعدوا به من النصر وأما ابن مسعود فقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن فضيل عن محمش بن زياد الضبي عن تميم بن حزم قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول فى هذه الآية " حتى إذا استيأس الرسل " من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا بالتخفيف فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك وانتصر لها ابن جرير ووجه المشهور عن الجمهور وزيف القول الآخر بالكلية ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه والله أعلم.

قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ

ذكر السدى ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع سنين المخصبة ثم تلتها السبع السنين المجدبة وعم القحط بلاد مصر بكمالها ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده وحينئذ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلامهم وجمعها أحسن جمع فحصل من ذلك مبلغ عظيم وهدايا متعددة هائلة وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات يمتارون لأنفسهم وعيالهم فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة وكان عليه السلام لا يشبع نفسه ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين وكان رحمة من الله على أهل مصر وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال وفي الثانية بالمتاع وفي الثالثة بكذا وفي الرابعة بكذا حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون ثم أعتقهم ورد عليهم أموالهم كلها الله أعلم بصحة ذلك وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاما وركبوا عشرة نفر واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف عليه السلام وكان أحب ولده إليه بعد يوسف فلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته عرفهم حين نظر إليهم وهم له منكرون أي لا يعرفونه لأنهم فارقوه وهو صغير حدث وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه فلهذا لم يعرفوه وأما هو فعرفهم فذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم فقال لهم كالمنكر عليهم ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا أيها العزيز إنا قدمنا للميرة قال فلعلكم عيون؟ قالوا معاذ الله قال فمن أين أنتم؟ قالوا كنعان وأبونا يعقوب نبي الله قال وله أولاد غيركم؟ قالوا نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البئر أحبنا إلى أبيه وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه فأمر بإنزالهم وإكرامهم.
وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ


لما قال يوسف للملك " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " قال الملك قد فعلت فولاه فيما ذكروا عمل اطفير وعزل اطفير عما كان عليه يقول الله عز وجل " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " قال فذكر لي والله أعلم أن اطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأه اطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت تردين؟ قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما نرى حسناء جميلة ناعمة في ملك وديا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين أفرايثيم بن يوسف وميشا بن يوسف وولد لأفرايثيم نون والد يوشع بن نون ورحمة امرأه أيوب عليه السلام وقال الفضيل بن عياض وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته والملوك عبيدا بمعصيته.

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ


يقول تعالى فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك " وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب وقد أخذوه من عند أبيه فيه يظهرونه له إكراما له وبسطا وشرحا لصدره وإدخالا للسرور عليه فيقال إن يعقوب عليه السلام لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له.

وذكر السدي وغيره أنه لم لكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأدي له إلا إن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه والفعل من ضرب ونحوه ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه واذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها الراغوفة فقام فوقها وقوله " وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته لم انزاله اليسر في حال العسر أنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطيبا لقلبه وتثبيتا له إنك لا تحزن مما أنت فيه فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا وسينصرك الله عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع.

وقوله " وهم لا يشعرون " قال مجاهد وقتادة "وهم لا يشعرون " بإيحاء الله إليه ; وقال ابن عباس ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك كما قال ابن جرير: حدثني الحارث ثنا عبد العزيز ثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون قال جيء بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب قال ثم نقره فطن قال فأتيتم أباكم فقلتم إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب قال فقال بعضهم لبعض إن هذا الجام لبخبره بخبركم فال ابن عباس فلا نرى هذه الأية نزلت إلا فيهم " لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون
".
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ

هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه فعند ذلك خرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى "ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر" الآية وقال معمر عن قتادة عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم عليه السلام يأتي قوم لوط فيقول أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له فدعاهم إلى الضيافة فقالوا إنا ضيوفك الليلة وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلات شهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم فقال أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم أشر خلق الله؟ فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوها هاتان اثنتان فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إن قومي أشر خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم فقال جبريل للملائكة احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب فلما دخلوا ذهبت عجوزه عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعا قالوا ما عندك؟ قالت ضيف لوط قوما ما رأيت قط أحسن وجوها منهم ولا أطيب ريحا منهم فهرعوا يسارعون إلى الباب فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلا وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم" فقام الملك فلز بالباب - يقول فشده - واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حبك حبك مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلي الخضرة فقال يا لوط "إنا رسل ربك لن يصلوا إليك" امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم فتنحى لوط عن الباب فخرج إليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم ضربه شدخ أعينهم فصاروا عميا لا يعرفون الطريق ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال "فأسر بأهلك بقطع من الليل" وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا.

فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ

وقوله "فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم" تنكرهم "وأوجس منهم خيفة" وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم "وأوجس منهم خيفة" قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شبان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه فلما رآهم أجلهم "فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين" فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت سارة تخدمهم فذلك حين يقول - وامرأته قائمة وهو جالس - في قراءة ابن مسعود "فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون" قالوا يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال فإن لهذا ثمنا قالوا وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا "فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم" يقول فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة فلما نظرت سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا! وقال ابن حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا نصر بن علي حدثنا نوح بن قيس عن عثمان بن محيصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفائيل قال نوح بن قيس فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة "قالوا لا تخف" أي قالوا لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم فضحكت سارة استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس وقال قتادة ضحكت وعجبت أن قوما يأتيهم العذاب وهم في غفلة وقوله "ومن وراء إسحاق يعقوب" قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت أي حاضت وقول محمد بن قيس إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعفا ووجدا وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك والله أعلم.

وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها
.

وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ

ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه ولهذا قال "يرسل السماء عليكم مدرارا" وفي الحديث "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب".

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وأنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما وإن الله وجه السفينة إلى مكة فطافت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون فلطخت رجليها بالطين فعرف نوح عليه السلام أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودي جبل بالجزيرة بقرب الموصل فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنهم.
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ


عن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا منهم نساؤهم وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كان نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام وقيل بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة وهذا فيه نظر بل الظاهر أنها هلكت لأنها كانت على دين قومها فأصابها ما أصابهم كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها والله أعلم وأحكم.



وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ

يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة إلا من رحم الله من عباده المؤمنين أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل وكفر وجحود لماضي الحال كأنه لم ير خيرا ولم يرج بعد ذلك فرجا
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ

يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر في صحبة موسى عليه السلام وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية وقد كانوا استعاروا من القبط حليا كثيرا فخرجوا به معهم فاشتد حنق فرعون عليهم فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته فلحقوهم وقت شروق الشمس "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون" وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر وفرعون وراءهم ولم يبق إلا أن يقاتل الجمعان وألح أصحاب موسى عليه السلام عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول إني أمرت أن أسلك ههنا "كلا إن معي ربي سيهدين" فعند ما ضاق الأمر اتسع فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار اثني عشر طريقا لكل سبط واحد وأمر الله الريح فنشفت أرضه "فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى" وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا وجاوزت بنو إسرائيل البحر فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرجوع وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر واستجيبت الدعوة.

وجاء جبريل عليه السلام على فرس وديق حائل فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها واقتحم جبريل البحر فاقتحم الحصان وراءه ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا فتجلد لأمرائه وقال لهم ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم لا يترك منهم أحدا إلا ألحقه بهم فلما استوسقوا فيه وتكاملوا وهم أولهم بالخروج منه أمر الله القدير البحر أن يرتطم عليهم فارتطم عليهم فلم ينج منهم أحد وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت فقال وهو كذلك "أمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" فآمن حيث لا ينفعه الإيمان "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون
".

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ


قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء" قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال "هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ


ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها" أي زينتها الفانية "وازينت" أي حسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان "وظن أهلها" الذين زرعوها وغرسوها "أنهم قادرون عليها" أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها ولهذا قال تعالى "أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا" أي يابسا بعد الخضرة والنضارة "كأن لم تغن بالأمس" أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك وقال قتادة: كأن لم تغن كأن لم تنعم وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن.

ولهذا جاء في الحديث "يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط؟ فيقول لا" وقال تعالى إخبارا عن المهلكين "فأصبحوا في دراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها" ثم قال تعالى "كذلك نفصل الآيات" أي نبين الحجج والأدلة "لقوم يتفكرون" فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعا مع اغترارهم بها وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها وتفلتها عنهم فإن من طبعها الهرب ممن طلبها والطلب لمن هرب منها وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال في سورة الكهف "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا" وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا.

وقال ابن جرير: حدثني الحارث حدثنا عبدالعزيز حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبدالرحمن بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان يعني ابن الحكم يقرأ على المنبر: "وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكهم إلا بذنوب أهلها" قال: قد قرئتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبدالله بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير
.
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

قوله "قل الله أسرع مكرا" أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه ثم يعرضون على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير.
وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر "وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض" أي كثير وهما في معنى واحد وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء "مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال "كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون" فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك كقوله تعالى "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" وكقول رسول الله صلي الله عليه وسلم "عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته ضراء فصبر كأن خيرا له وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن".
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم وأنه يعلم منهم عدم القصد بالشر إلى إرادة ذلك فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء ولهذا قال "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم" الآية أي لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو جزرة عن عبادة بن الوليد حدثنا جابر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "لا تدعوا على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم" ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به.

وقال البزار وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه وهذا كقوله تعالى "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير" الآية.

وقال مجاهد في تفسير هذه الآية "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير" الآية هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه.

فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم

۞ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿75﴾ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿76﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿77


ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب والأنصاري وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا وابن أبي حاتم من حديث معن بن رفاعة عن علي بن زيد عن أبي عبدالرحمن القاسم بن عبدالرحمن مولى عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية عن أبي أمامة الباهلي عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يرزقني مالا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال ثم قال مرة أخرى فقال أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فوالذي نفسي بيده لو شئتُ أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت.

قال والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا قال فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمي كما ينمى الدود حتى ترك الجمعة فطفق يتلقى الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل ثعلبة؟ فقالوا يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره فقال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة وأنزل الله جل ثناؤه" خذ من أموالهم صدقة" الآية.

ونزلت فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة من المسلمين رجلا من جهينة ورجلا من سليم وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين وقال لهما مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك فقال بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي له فأخذاها منه ومرا على الناس فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما فقرأه فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمى فأنزل الله عز وجل" ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن" الآية.

قال وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحسو على رأسه التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني.

فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبض صدقته رجع إلى منزله فقُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه حين استُخلف فقال قد علمت منزلتي من رسول الله وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي فقال أبو بكر لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى أن يقبلها فقُبِض أبو بكر ولم يقبلها.

فلما ولى عمر رضي الله عنه أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقُبِض ولم يقبلها فلما ولي عثمان رضي الله عنه أتاه فقال: اقبل صدقتي فقال لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة في خلافة عثمان
.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزيز يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى سقطت جفون عينيه فبينما هو ذات يوم إذ مر على جبانة وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول وامطعماه واكاسياه فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت الله قال: فإن الله حي لا يموت قالت: يا عزيز فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله قالت: فلم تبكي عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به ثم قيل له اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصل هناك ركعتين فإنك ستلقى هناك شيخا فما أطعمك فكله فذهب ففعل ما أمر به فإذا الشيخ فقال له: افتح فمك ففتح فمه فألقى فيه شيئا كهيئة الجرة العظيمة ثلاث مرات فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة فقال يا عزير ما كنت كذابا فعمد فربط على إصبع من أصابعه قلما وكتب التوراة بإصبعه كلها فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع العلماء أخبروا بشأن عزير فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوه بها فوجدوا ما جاء به صحيحا فقال بعض جهلتهم إنما صنع هذا لأنه ابن الله وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر.
ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

قال ابن عباس إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم قوله "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون"

عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنزل الله علىَّ أمانين لأمتي "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة".

عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني".

عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله عز وجل
"
في الأثر يقول الله تعالى "يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء"
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ

لما أتى موسى فرعون عليه السلام قال له: أرسل معي بني إسرائيل فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا خافوا أن يكون عذابا فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار والكلأ فقالوا هذا ما كنا نتمنى فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم الجراد فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فداسوا وأحرزوا في البيوت فقالوا قد أحرزنا فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلم يرد منها إلا ثلاثه أقفزة فقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون ما تلقى أنت وقومك من هذا فقال وما عسى أن يكون كيد هذا فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ومهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فلم يؤمنوا وأرسل الله عليهم الدم فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا فشكوا إلى فرعون فقالوا إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب فقال: إنه قد سحركم فقالوا من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا فأتوه وقالوا يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل.

وقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف أنه أخبر بذلك وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مغلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عليه الآيات فأخذه بالسنين وأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات.

فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك
.

قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ

ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا قال فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى وقال محمد بن إسحاق صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وخرج موسى عليه السلام معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ثم قال السحرة "يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا جبالهم وعصيهم" فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا "فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم" يقول فرقوهم أي من الفرق وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن عليه عن هشام الدستوائي حدثنا القاسم بن أبي برة قال جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولهذا قال تعالى "وجاءوا بسحر عظيم".
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ


" فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه أقتحم عن سريره و استغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل وقال قتادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة.

وقال السدي في قوله "فإذا هي ثعبان مبين" الثعبان الذكر من الحيات فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والآخر على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى عليه السلام فعادت عصا وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا وقال وهب بن منبه لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون أعرفك قال نعم قال "ألم نربك فينا وليدا" قال فرد إليه موسى الذي رد فقال فرعون خذوه فبادر موسى "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" فحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت.

رواه ابن جرير والإمام أحمد في كتابه الزهد وابن أبي حاتم وفيه غرابة في سياقه والله أعلم.



فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ

إلا امرأته فإنها لم تؤمن به بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم ولهذا لما أمر لوط عليه السلام ليسري بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد ومنهم من يقول بل اتبعتهم فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم ولهذا قال ههنا "إلا امرأته كانت من الغابرين" أي الباقين وقيل من الهالكين

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ

الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما "وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض فانطلق آدم عليه السلام موليا في الجنة فعلقت برأسه شجرة من الجنة فناداه الله يا آدم أمني تفر؟ قال لا ولكني استحيتك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك قال: بلى رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف بك كاذبا قال وهو قول الله عز وجل "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين".

قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا قال فأهبط من الجنة وكانا يأكلان منها رغدا فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب فعلم صنعه الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ
.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ


أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره والفقير في فقره ويسأله عن صبره
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ


قل:أغير الله أبغي ربا , وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى , ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ?). .
كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن ; وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل ; وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية . . ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل ; وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة .
ثم تعجب في استنكار:
(أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)?
أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني ? وأنا مأخوذ بنيتي وعملي , محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية ?
أغير الله أبغي ربا . وهذا الكون كله في قبضته ; وأنا وأنتم في ربوبيته ?
أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره ? (ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى ?). .
أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعاً فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه
?
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ


قال الضحاك عن ابن عباس إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما كان اسمه تارخ رواه ابن أبي حاتم وقال أيضا حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل حدثنا أبي حدثنا أبو عاصم شبيب حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" يعني بآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه تارخ وأمه اسمها شاني وامرأته اسمها سارة وأم اسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم.

وهكذا قال غير واحد من علماء النسب أن اسمه تارخ وقال مجاهد والسدي آزر اسم صنم قلت كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم فالله أعلم وقال ابن جرير وقال آخرون هو سب وعيب بكلامهم ومعناه معوج ولم يسنده ولا حكاه عن أحد.

وقد قال أبن أبي حاتم ذكر عن معتمر بن سليمان سمعت أبي يقرأ "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" قال بلغني أنها أعوج وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم عليه السلام ثم قال ابن جرير والصواب أن اسم أبيه آزر ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارخ ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم واختلف القراء في أداء قوله تعالى "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر" فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة" معناه يا آزر أتتخذ أصناما آلهة وقرأ الجمهور بالفتح إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله لأبيه أو عطف بيان وهو أشبه وعلى قول من جعله نعتا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله "أتتخذ أصناما" تقديره يا أبت أتتخذ آزر أصناما آلهة فإنه قول بعيد في اللغة فإن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله لأن له صدر الكلام
.

قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ


قوله تعالى "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" قال البخاري: حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير" وفي حديث عمر أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال له "خمس لا يعلمهن إلا الله" ثم قرأ "إن الله عنده علم الساعة" الآية.

وقوله "ويعلم ما في البر والبحر" أي يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات بريها وبحريها لا يخفى عليه من ذلك شيء ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وما أحسن ما قال الصرصري: فلا بخفي عليه الذر إما تراءى للنواظر أو توارى وقوله "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات فما ظنك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم كما قال تعالى "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور".

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق حدثنا حسان النمري عن ابن عباس في قوله "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" قال ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها رواه ابن أبي حاتم وقوله "ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن المسور الزهري حدثنا مالك بن سعير حدثنا الأعمش عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا وعليها ملك موكل يأتي الله بعلمها رطوبتها إذا رطبت ويبوستها إذا يبست وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبدالله الحساني عن مالك بن سعير به.

ثم قال ابن أبي حاتم ذكر عن أبي حذيفة حدثنا سفيان عن عمرو بن قيس عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خلق الله النون وهي الدواة وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام أو عمل بر أو فجور وقرأ هذه الآية "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" إلى آخر الآية قال محمد بن إسحاق عن يحيى بن النضر عن أبيه سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا يعني لكم لم تروا معهم نورا على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله عز وجل على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله عز وجل إليه في كل يوم ملكا من عنده أن احتفظ بما عندك
.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ


قوله "ما فرطنا في الكتاب من شيء" أي الجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره سواء كان بريا أو بحريا كقوله "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين" أي مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها وحاصر لحركاتها وسكناتها وقال تعالى "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم" وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: قل الجراد في سنة من سني عمر رضي الله عنه التي ولي فيها فسأل عنه فلم يخبر بشيء فاغتم لذلك فأرسل راكبا إلى كذا وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثلاثا ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "خلق الله عز وجل ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه".
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ

في موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر , وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال , كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب .
(ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). .
ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة . وقد مكنهم الله في الأرض , وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة ; وأرسل المطر عليهم متتابعا ينشى ء في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق . . ثم ماذا ? ثم عصوا ربهم , فأخذهم الله بذنوبهم , وأنشأ من بعدهم جيلا آخر , ورث الأرض من بعدهم ; ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض ! فقد ورثها قوم آخرون ! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر َ ! ما أهونهم على الله ; وما أهونهم على هذه الأرض أيضا ! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء ; إنما عمرها جيل آخر ; ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان ; ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء !
وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن الله لهم في الأرض . ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله , ليبلوهم فيه:أيقومون عليه بعهد الله وشرطه , من العبودية له وحده , والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت , تدعي حقوق الألوهية وخصائصها ; ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف .
إنها حقيقة ينساها البشر - إلا من عصم الله - وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف ; ويمضون على غير سنة الله ; ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف , ويقع الفساد رويدا رويدا وهم ينزلقون ولا يشعرون . . حتى يستوفي الكتاب أجله ; ويحق وعد الله . . ثم تختلف أشكال النهاية:مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال - بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام - ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوام - ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض ; فيعذب بعضهم بعضا , ويدمر بعضهم بعضا , ويؤذي بعضهم بعضا , ولا يعود بعضهم يأمن بعضا ; فتضعف شوكتهم في النهاية ; ويسلط الله عليهم عبادا له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم , ويقتلعونهم مما مكنوا فيه ; ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم . . وهكذا تمضي دورة السنة . . السعيد من وعى أنها السنة , ومن وعى أنه الابتلاء ; فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه . والشقي من غفل عن هذه الحقيقة , وظن أنه أوتيها بعلمه , أو أوتيها بحيلته , أو أوتيها جزافا بلا تدبير !
وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي , أو المستهتر الفاسد , أو الملحد الكافر , ممكنا له في الأرض , غير مأخوذ من الله . . ولكن الناس إنما يستعجلون . . إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ; ولا يرون نهاية الطريق . . ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء ! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث . . والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق ; فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق !
إن هذا النص في القرآن: (فأهلكناهم بذنوبهم). . وما يماثله , وهو يتكرر كثيرا في القرآن الكريم . . إنما يقرر حقيقة , ويقرر سنة , ويقرر طرفا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ . .
إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها , وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ; وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير , أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ; وحين تقوم حياتها على الذنوب . . كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ:فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال ; من عوامله , فعل الذنوب في جسم الأمم ; وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار ; إما بقارعة من الله عاجلة - كما كان يحدث في التاريخ القديم - وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي , الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب !
وأمامنا في التاريخ القريب - نسبيا - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي , والدعارة الفاشية , واتخاذ المرأة فتنة وزينة , والترف والرخاوة , والتلهي بالنعيم . . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله , وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة , كفرنسا وانجلترا كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض .
إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ , ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة , واستعباد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها . . ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية .
والتفسير الإسلامي - بشمولة وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير . المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة ; ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود . . يبرز قدر الله من وراء كل شيء ; ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ; ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي . .
ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة . .

قال القرشي وحدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا محمد بن طلحة عن زيد ابن مجاهد قال لإبليس خمسة من ولده قد جعل كل واحد منهم على شيء من من أمره ثم سماهم فذكر ثبر والأعور ومسوط وداسم وزكنبور فأما ثبر فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية وأما الأعور فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه وأما مسوط فهو صاحب الكذب الذي يسمع فيلقى الرجل فيخبره بالخبر فيذهب الرجل إلى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما أسمه حدثنى بكذا وكذا وأما داسم فهو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم وأما زكنبور فهو صاحب السوق الذي يركز رايته في السوق
قال القرشي وثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني ثنا فرج بن فضالة عن عبد الرحمن بن زياد رضي الله عنه قال بينهما موسى عليه السلام جالس في بعض مجالسه إذ أقبل عليه إبليس وعليه برنس له يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه وقال له السلام عليك يا موسى فقال له موسى عليه السلام من أنت قال أنا إبليس قال فلا حياك الله ما جاء بك قال جئت لأسلم عليك لمنزلتك عند الله تعالى ومكانك منه قال فما الذي رأيته عليك قال به أختطف قلوب بني آدم قال فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه قال إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه وأحذرك ثلاثا لا تخلون بامرأة لا تحل لك قط فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به فإنه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين إخراجها ثم ولى وهو يقول يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به بني آدم

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا


اللمسة الأخيرة في التعقيب تتولى بيان رحمة الله بضعف الإنسان , فيما يشرعه له من منهج وأحكام . والتخفيف عنه ممن يعلم ضعفه , ومراعاة اليسر فيما يشرع له , ونفي الحرج والمشقة والضرر والضرار

(يريد الله أن يخفف عنكم , وخلق الإنسان ضعيفا). .
فأما في هذا المجال الذي تستهدفه الآيات السابقة , وما فيها من تشريعات وأحكام وتوجيهات , فإرادة التخفيف واضحة ; تتمثل في الاعتراف بدوافع الفطرة , وتنظيم الاستجابة لها وتصريف طاقتها في المجال الطيب المأمون المثمر , وفي الجو الطاهر النظيف الرفيع ; دون أن يكلف الله عباده عنتا في كبتها حتى المشقة والفتنة ; ودون أن يطلقهم كذلك ينحدرون في الاستجابة لها بغير حد ولا قيد .
وأما في المجال العام الذي يمثله المنهج الإلهي لحياة البشر كلها فإرادة التخفيف تبدو كذلك واضحة ; بمراعاة فطرة الإنسان , وطاقته , وحاجاته الحقيقية ; وإطلاق كل طاقاته البانية . ووضع السياج الذي يقيها التبدد وسوء الاستعمال !
وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله - وبخاصة في علاقات الجنسين - شاق مجهد . والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح ! وهذا وهم كبير . . . فإطلاق الشهوات من كل قيد ; وتحري اللذة - واللذة وحدها - في كل تصرف ; واقصاء "الواجب" الذي لا مكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والاخير ; وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم ; والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي , ومن كل التزام اجتماعي . . إن هذه كلها تبدو يسرا وراحة وانطلاقا . ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة . وعقابيلها في حياة المجتمع - بل في حياة كل فرد - عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة . .
والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي "تحررت ! " من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة , يكفي لإلقاء الرعب في القلوب . لو كانت هنالك قلوب !
لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة . حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية . وهذه الفوضى ذاتها هي التي اخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة ; وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى ;وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وانجلترا , وغيرها من دول الحضارة الحديثة .
وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة , مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870 إلى اليوم , وهي في طريقها إلى الانهيار التام , كما تدل جميع الشواهد . وهذه بعض الأمارات التي أخذت تبدو وأضحة من بعد الحرب العالمية الأولى:
"إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم:اضمحلال قواهم الجسدية , وتدرجها إلى الضعف يوما فيوما . فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم ; وتعبد الشهوات يكاد يأتي على قوة صبرهم وجلدهم ; وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم . فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب في المتطوعة للجند الفرنسي , على فترة كل بضع سنين . لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسير الأيام . . وهذا مقياس أمين , يدلنا كدلالة مقياس الحرارة - في الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية في الأمة الفرنسية . ومن أهم عوامل هذا الاضمحلال:الأمراض السرية الفتاكة . يدل على ذلك أن كان عدد الجنود الذين اضطرت الحكومة إلى أن تعفيهم من العمل , وتبعث بهم إلى المستشفيات , في السنتين الأوليين من سني الحرب العالمية الأولى , لكونهم مصابين بمرض الزهري , خمسة وسبعين الفا . وابتلي بهذا المرض وحده 242 جنديا في آن واحد في ثكنة متوسطة . وتصور - بالله - حال هذه الأمة البائسة في الوقت الذي كانت فيه - بجانب - في المضيق الحرج بين الحياة والموت , فكانت أحوج ما تكون إلى مجاهدة كل واحد من أبنائها المحاربين لسلامتها وبقائها . وكان كل فرنك من ثروتها مما يضن به ويوفر ; وكانت الحال تدعو إلى بذل أكثر ما يمكن من القوة والوقت وسائر الأدوات والوسائل في سبيل الدفاع . وكان - بجانب آخر - أبناؤها الشباب الذين تعطل آلاف منهم عن أعمال الدفاع , من جراء انغماسهم في اللذات ; وما كفى أمتهم ذلك خسرانا , بل ضيعوا جانبا من ثروة الأمة ووسائلها في علاجهم , في تلك الأوضاع الحرجة .
"يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه:إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري , وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة . وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى [ الدق ] . وهذه جريرة مرض واحد من الأمراض السرية التي فيها عدا هذا أمراض كثيرة أخرى " .
والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير:ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي , وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد , لا تدع مجالا لتكوين الأسرة , ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر . ومن ثم يقل الزواج , ويقل التناسل , وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية .
"سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم . ولك أن تقدر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوج من أهاليها . ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج , قل فيهم من ينوون به التحصن والتزام المعيشة البرة الصالحة بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض . حتى إنه كثيرا ما يكون من مقاصد زواجهم أن يحللوا به الولد النغل الذي قد ولدته أمه قبل النكاح ! ويتخذوهولدا شرعيا ! فقد كتب "بول بيورو":من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقا قبل أن يعقد بينهما النكاح , أن الرجل سيتخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولدا شرعيا له . وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين فصرحت:إنني كنت قد آذنت بعلي عن النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح . وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة , فما كان في نيتي عند ذاك , ولا هو في نيتي الآن . ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا , ولم ألتق به إلى هذا اليوم , لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية .
"قال عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيورد:إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغي في بيتهم أيضا . ذلك أنهم يظلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحرارا طلقاء . ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة , فيتزوجون بامرأة بعينها , حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته , ولذة المخادنة الحرة خارج البيت" .
وهكذا تدهورت فرنسا . وهكذا هزمت في كل حرب خاضتها , وهكذا تتوارى عن مسرح الحضارة ثم عن مسرح الوجود يوما بعد يوم . حتى تحق سنة الله التي لا تتخلف ; وإن بدت بطيئة الدوران في بعض الأحيان ! بالقياس إلى تعجل الإنسان !
أما في الدول التي لا تزال تبدو فتية , أو لم تظهر فيها آثار الدمار واضحة بعد , فهذه نماذج مما يجري فيها:
يقول صحفي ممن زاروا السويد حديثا . . بعد أن يتحدث عن "حرية الحب" في السويد , وعن الرخاء المادي , والضمانات الاجتماعية في مجتمعها الاشتراكي النموذجي:
"إذا كانت أقصى أحلامنا أن نحقق للشعب هذا المستوى الاقتصادي الممتاز ; وأن نزيل الفوارق بين الطبقات بهذا الاتجاه الاشتراكي الناجح ; وأن نؤمن المواطن ضد كل ما يستطيع أي عقل أن يتصوره من أنواع العقبات في الحياة . . إذا وصلنا إلى هذا الحلم البهيج الذي نسعى بكل قوانا وإمكانياتنا إلى تحقيقه في مصر . . . فهل نرضى نتائجه الأخرى ? هل نقبل الجانب الأسود من هذا المجتمع المثالي ? هل نقبل "حرية الحب" وآثارها الخطيرة على كيان الأسرة ?
"دعونا نتحدث بالأرقام . . "
"مع وجود كل هذه المشجعات على الاستقرار في الحياة , وتكوين أسرة , فإن الخط البياني لعدد سكان السويد يميل إلى الانقراض ! . . مع وجود الدولة التي تكفل للفتاة إعانة زواج ; ثم تكفل لطفلها الحياة المجانية حتى يتخرج في الجامعة , فإن الأسرة السويدية في الطريق إلى عدم إنجاب أطفال على الإطلاق !
"يقابل هذا انخفاض مستمر في نسبة المتزوجين . وارتفاع مستمر في نسبة عدد المواليد غير الشرعبين . مع ملاحظة أن عشرين في المائة من البالغين الأولاد والبنات لا يتزوجون أبدًا .
"لقد بدأ عهد التصنيع . وبدأ معه المجتمع الاشتراكي في السويد عام 1870 . كانت نسبة الأمهات - غير المتزوجات - في ذلك العام 7 في المائة , وارتفعت هذه النسبة في عام 1920 إلى 16 في المائة . والاحصاءات بعد ذلك لم أعثر عليها . ولكنها ولا شك مستمرة في الزيادة .
"وقد أجرت المعاهد العلمية عدة استفسارات عن "الحب الحر" في السويد , فتبين منها أن الرجل تبدأعلاقاته الجنسية بدون زواج في سن الثامنة عشرة . والفتاة في سن الخامسة عشرة . وأن 95 في المائة من الشبان في سن 21 سنة لهم علاقات جنسية !
"وإذا أردنا تفصيلات تقنع المطالبين بحرية الحب , فإننا نقول:إن 7 في المائة من هذه العلاقات الجنسية مع خطيبات , و35 في المائة منها مع حبيبات ! و58 في المائة منها مع صديقات عابرات !
"وإذا سجلنا النسب عن علاقة المرأة الجنسية بالرجل قبل سن العشرين . وجدنا أن 3 في المائة من هذه العلاقات مع أزواج . و 27 في المائة منها مع خطيب ! و 64 في المائة منها مع صديق عابر !
"وتقول الأبحاث العلمية:إن 80 في المائة من نساء السويد مارسن علاقات جنسية كاملة قبل الزواج و20 في المائة بقين بلا زواج !
" وأدت حرية الحب بطبيعة الحال إلى الزواج المتأخر , وإلى الخطبة الطويلة الأجل . مع زيادة عدد الأطفال غير الشرعيين كما قلت .
"والنتيجة الطبيعية بعد ذلك أن يزيد تفكك الأسرة . . إن أهل السويد يدافعون عن "حرية الحب" بقولهم:إن المجتمع السويدي ينظر نظرة احتقار إلى الخيانة بعد الزواج , كأي مجتمع متمدن آخر ! وهذا صحيح لا ننكره ! ولكنهم لا يستطيعون الدفاع عن الاتجاه إلى انقراض النسل . ثم الزيادة المروعة في نسبة الطلاق .
"إن نسبة الطلاق في السويد هي أكبر نسبة في العالم . إن طلاقًا واحدًا يحدث بين كل ست أو سبع زيجات , طبقًا للإحصاءات التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية بالسويد . والنسبة بدأت صغيرة , وهي مستمرة في الزيادة . . في عام 1925 كان يحدث 26 طلاقًا بين كل 100 ألف من السكان - ارتفع هذا الرقم إلى 104 في عام 1952 , ثم ارتفع إلى 114 في عام 1954 .
"وسبب ذلك أن 30 في المائة من الزيجات تتم اضطرارًا تحت ضغط الظروف , بعد أن تحمل الفتاة . والزواج بحكم "الضرورة " لا يدوم بطبيعة الحال كالزواج العادي . ويشجع على الطلاق أن القانون السويدي لا يضع أية عقبة أمام الطلاق إذا قرر الزوجان أنهما يريدان الطلاق . فالأمر سهل جدًا , وإذا طلب أحدهما الطلاق . فإن أي سبب بسيط يقدمه , يمكن أن يتم به الطلاق !
"وإذا كانت حرية الحب مكفولة في السويد . . فهناك حرية أخرى يتمتع بها غالبية أهل السويد . . إنها حرية عدم الإيمان بالله ! لقد انتشرت في السويد الحركات التحررية من سلطان الكنيسة على الإطلاق . وهذه الظاهرة تسود النرويج والدنمرك أيضًا . المدرسون في المدارس والمعاهد يدافعون عن هذه الحرية ويبثونها في عقول النشء والشباب .
"والجيل الجديد ينحرف . . وهذه ظاهرة جديدة تهدد الجيل الجديد في السويد وباقي دول اسكندنافيا . إن افتقادهم للإيمان يجرفهم إلى الانحراف , وإلى الإدمان على المخدرات والخمور . وقد قدر عدد أطفال العائلات التي لها أب مدمن بحوالي 175 ألفًا . أي ما يوازي 10 في المائة من مجموع أطفال العائلات كلها . وإقبال المراهقين على إدمان الخمر يتضاعف . . إن من يقبض عليهم البوليس السويدي في حالة سكر شديد من المراهقين بين سن 15 و17 يوازي ثلاثة أمثال عدد المقبوض عليهم بنفس السبب منذ 15 عامًا . وعادة الشرب بين المراهقين والمراهقات تسير من سيء إلى أسوأ . . ويتبع ذلك حقيقة رهيبة .
"إن عشر الذين يصلون إلى سن البلوغ في السويد يتعرضون لاضطرابات عقلية ! ويقول أطباء السويد:إن 50 في المائة من مرضاهم يعانون من اضطرابات عقلية تلازم أمراضهم الجسدية . ولا شك أن التمادي في التمتعبحرية عدم الإيمان سيضاعف هذه الانحرافات النفسية , ويزيد من دواعي تفكك الأسرة . ويقربهم إلى هوة انقراض النسل . . . "
والحال في أمريكا لا تقل عن هذه الحال . ونذر السوء تتوالى . والأمة الأمريكية في عنفوانها لا تتلفت للنذر . ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها , على الرغم من هذا الرواء الظاهري ; وتعمل بسرعة , مما يشي بسرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر الخارجية !!!
لقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لأعدائهم , لا لأنهم في حاجة إلى المال . ولكن لأن بهم شذوذًا جنسيًا , ناشئًا من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع .
وقبل سنوات وضع البوليس الأمريكي يده على عصابة ضخمة ذات فروع في مدن شتى . مؤلفة من المحامين والأطباء - أي من قمة الطبقة المثقفة - مهمتها مساعدة الأزواج والزوجات على الطلاق بإيجاد الزوج أو الزوجة في حالة تلبس بالزنا , وذلك لأن بعض الولايات لا تزال تشترط هذا الشرط لقبول توقيع الطلاق ! ومن ثم يستطيع الطرف الكاره أن يرفع دعوى على شريكه بعد ضبطه عن طريق هذه العصابة متلبسًا , وهي التي أوقعته في حبائلها !
كذلك من المعروف أن هناك مكاتب مهمتها البحث عن الزوجات الهاربات والبحث عن الأزواج الهاربين ! وذلك في مجتمع لا يدري فيه الزوج إن كان سيعود فيجد زوجته في الدار أم يجدها قد طارت مع عشيق ! ولا تدري الزوجة إن كان زوجها الذي خرج في الصباح سيعود إليها أم ستخطفه أخرى أجمل منها أو أشد جاذبية ! مجتمع تعيش البيوت فيه في مثل هذا القلق الذي لا يدع عصبًا يستريح !!!
وأخيرًا يعلن رئيس الولايات المتحدة أن ستة من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون للجندية بسبب الانحلال الخلقي الذي يعيشون فيه .
وقد كتبت إحدى المجلات الأمريكية منذ أكثر من ربع قرن تقول:
"عوامل شيطانية ثلاثة يحيط ثالوثها بدنيانا اليوم . وهي جميعها في تسعير سعير لأهل الأرض , أولها:الأدب الفاحش الخليع الذي لا يفتأ يزداد في وقاحة ورواجه بعد الحرب العالمية [ الأولى ] بسرعة عجيبة . والثاني الأفلام السينمائية التي لا تذكي في الناس عواطف الحب الشهواني فحسب , بل تلقنهم دروسًا عملية في بابه . والثالث انحطاط المستوى الخلقي في عامة النساء , الذي يظهر في ملابسهن , بل في عريهن , وفي إكثارهن من التدخين , واختلاطهن بالرجال بلا قيد ولا التزام . . هذه المفاسد الثلاث فينا إلى الزيادة والانتشار بتوالي الأيام . ولا بد أن يكون مآلها زوال الحضارة والاجتماع النصرانيين وفناءهما آخر الأمر . فإن نحن لم نحد من طغيانها , فلا جرم أن يأتي تاريخنا مشابهًا لتاريخ الرومان , ومن تبعهم من سائر الأمم , الذين قد أوردهم هذا الاتباع للأهواء والشهوات موارد الهلكة والفناء , مع ما كانوا فيه من خمر ونساء , أو مشاغل رقص ولهو وغناء" .
والذي حدث أن أمريكا لم تحد من طغيان هذه العوامل الثلاثة , بل استسلمت لها تمامًا وهي تمضي في الطريق الذي سار فيه الرومان !
ويكتب صحفي آخر عن موجة انحراف الشباب في أمريكا وبريطانيا وفرنسا , ليهون من انحلال شبابنا ! يقول:انتشرت موجة الإجرام بين المراهقين والمراهقات من شباب أمريكا . وأعلن حاكم ولاية نيويورك , أنه سوف يجعل علاج هذا الانحراف على رأس برنامج الإصلاح الذي يقوم به في الولاية:
وعمد الحاكم إلى انشاء المزارع و "الإصلاحيات" التهذيبية والأندية الرياضية . . الخ"
"ولكنه أعلن أن علاج الإدمان على المخدرات - التي انتشرت بصفة خاصة بين طلبة وطالبات الجامعات ومنها الحشيش والكوكايين ! - لا يدخل في برنامجه , وأنه يترك أمره للسلطات الصحية !
"وأما في انجلترا فقد كثرت في العامين الأخيرين جرائم الاعتداء على النساء وعلى الفتيات الصغيرات في طرق الريف . وفي معظم الحالات كان المعتدي أو المجرم غلامًا مراهقًا . وفي بعضها كان المجرم يعمد إلى خنق الفتاة أو الطفلة , وتركها جثة هامدة , حتى لا تفشي سره , أو تتعرف عليه , إذا عرضه عليها رجال البوليس .
"ومنذ شهرين اثنين كان شيخ عجوز في طريقه إلى القرية , عندما أبصر على جانب الطريق - وتحت شجرة - غلامًا يضاجع فتاة . .
"واقترب الشيخ منهما , ووكز الغلام بعصاه وزجره ووبخه , وقال له:إن ما يفعله لا يجوز ارتكابه في الطريق العام !
"ونهض الفتى , وركل الشيخ بكل قوته في بطنه . . . ووقع الشيخ .
"وهنا ركله الفتى في رأسه بحذائه . . . واستمر يركله بقسوة حتى تهشم الرأس !
"وكان الغلام في الخامسة عشرة , والفتاة في الثالثة عشرة من عمرها ! "
وقد قررت لجنة الأربعة عشر الأمريكية التي تعنى بمراقبة حالة البلاد الخلقية أن 90 في المائة من الشعب الأمريكي مصابون بالأمراض السرية الفتاكة [ وذلك قبل وجود المركبات الحديثة من مضادات الحيويات كالبنسلين والاستريبتومايسين ! ]
وكتب القاضي لندسي بمدينة "دنفر" أنه من كل حالتي زواج تعرض قضية طلاق !
وكتب الطبيب العالم العالمي ألكسيس كاريل في كتابه:"الإنسان ذلك المجهول":
"بالرغم من أننا بسبيل القضاء على إسهال الأطفال والسل والدفتريا والحمى التيفودية . الخ فقد حلت محلها أمراض الفساد والانحلال . فهناك عدد كبير من أمراض الجهاز العصبي والقوى العقلية . . . ففي بعض ولايات أمريكا يزيد عدد المجانين الذين يوجدون في المصحات على عدد المرضى الموجودين في جميع المستشفيات الأخرى . وكالجنون , فإن الاضطرابات العصبية وضعف القوى العقلية آخذ في الازدياد . وهي أكثر العناصر نشاطًا في جلب التعاسة للأفراد , وتحطيم الأسر . . إن الفساد العقلي أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية , التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم عليها حتى الآن ! . .
هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة , في جاهليتها الحديثة , من جراء طاعتها للذين يتبعون الشهوات ولا يريدون أن يفيئوا إلى منهج الله للحياة . المنهج الملحوظ فيه اليسر والتخفيف على الإنسان الضعيف , وصيانته من نزواته , وحمايته من شهواته , وهدايته إلى الطريق الآمن , والوصول به إلى التوبة والصلاح والطهارة: